صفحة 1 من 28 1234511 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 5 من 139

الموضوع: رواية: صديقتي الخفية استشارية ذكية، همس الغيوم، د. ناعمة:كيف تستعيدين كرامتك قبل زوجك

  1. #1
    ملكة استثنائيـــة

    بيانات المشتركة

    Flex رواية: صديقتي الخفية استشارية ذكية، همس الغيوم، د. ناعمة:كيف تستعيدين كرامتك قبل زوجك

    الدكتورة ناعمة الهاشمي مملكة بلقيس الدكتورة ناعمة قصص روايات، دورات للدكتورة ناعمة مجموعة من المقالات والاستشارات استفيدي منها على منتديات الدكتورة ناعمة الهاشمي



    لم أكن أصدق أنَّ العلاقات الإنسانية الحميمة والعميقة، بل وأفضلها يمكن أنْ تنسج رغم بعد المسافات، بلا وجوه ولا أية لقاءات، كان لو أن أحدهم أخبرني بقصة مماثلة ما كنت سأصدق إلا أنَّ الواقع أثبت لي صحة وصدق مثل هذه العلاقات، وبالتجربة ...

    بدأت قصتي حينما ولدت لأب مشلول، يصارع الموت، وأم تبكيه ليل نهار، فولدت بسبب هذه الأزمة قبل موعدي بشهرين، واضطررت للبقاء في الحاضنة، حتى اكتمل نموي، وبت قادرة على الرضاعة، لتصدني والدتي مدعية أني فأل شؤم عليها، ففي اليوم الذي ولدت فيه، كان هو اليوم الذي أصيب فيه والدي بغيبوبة متأثرًا بجلطة دماغية مضاعفة، توفي بعدها بشهرين، إلا إنَّ أمي لم تألُ جهدًا من تكرار وإعادة سرد تفاصيل أحداث مرضه، وكيف أنها في اليوم الذي علمت فيه بحملها بي، كان هو اليوم الذي سقط فيه والدي مشلولًا إثر جلطة، وأنه في اليوم الذي ولدت فيه دخل في غيبوبة تسببت في وفاته، كانت والدتي تستلذ باجترار آلامها كلما سردت تلك الذكريات، ولا يهمها ما تأثير تلك الذكريات علىَّ أنا ابنتها، الطفلة الصغيرة، التي لا حول لها ولا قوة، لم يسبق لي أنْ سمعتها تقول: ( كان ذلك قضاءً وقدرًا ) فهي مؤمنة تمام الإيمان بأن ما حدث كان بسبب وجهي النحس عليها وعلى أبي وعلى إخوتي الثلاثة الذين باتوا أيتامًا بسبب شؤمي...


    مرت الأيام سراعًا، ورغم ضيق ذات اليد، كبرنا واشتدت سواعدنا، وكنت من المتفوقات، وكأني أردت أنْ أتحدى رأي والدتي بي، وأقنعها بأني قادرة على جلب الفرح إلى البيت، كما سبق أنْ جلبت الحزن، إلا إني لاحظت كيف أنها تتجاهل فرحي تمامًا، وتفرح كثيرًا لأجل أشقائي حينما ينجحون حتى وإن كان نجاحهم بمعدلات متوسطة أو ضعيفة، تعد لهم احتفالًا تدعو إليه الأقرباء والجيران إلا أنا ...


    لم تأبه بي قط، حتى إنها لا تجاملني وتقول بأن تلك الوليمة هي احتفالًا بنجاحنا كلنا معًا، بل كانت تصر على أنْ توصل لي معلومة أنها ليست مهتمة بنجاحي وأنَّ تلك الوليمة هي لأجل نجاح أشقائي ( ولدين وبنت بينهما ) كنت أشعر بحيرة كبيرة، ولا أفهم لماذا تصر على إيذاء مشاعري بهذه الصورة، وكنت كأي طفلة صغيرة، تبحث عن الحب والاهتمام، أجري لها بشهادتي، وأخبرها بدلال إني أحمل لها مفاجأة، على أمل بأن تتغير ردة فعلها ولو لمرة واحدة نحوي، وأبرز لها الشهادة وأنا أقول: (( فلتفخري بي يا أمي لقد حققت لك حلمك وأحرزت 95% وهي أفضل نتيجة على مستوى المدرسة )) لكنها تنظر لي باحتقار، ثم تطلب مني أنْ أنصرف ولا أزعجها ... وأذكر كيف وقفت في ذلك اليوم، وقد كنت في ذلك الحين في الرابعة عشر من عمري، وصرخت بها عاليًا: لماذا ؟؟!!! لماذا تتجاهلين نجاحي، وتدمرين فرحتي ؟؟!! لما لا أستحق منك كلمة مبارك ؟؟!! ماذا فعلت بك ؟؟!! هل لازلتِ تعتقدين فعلًا أني قتلت زوجك؟!! كنت مجرد طفلة بريئة جئت إلى هذه الحياة، لم أكن أحمل سكينًا، لقد مات بأمر الله، وشلله قدر من ربه وليس لي حول ولا قوة، ليس من حقك أنْ
    تتجاهليني دائمًا بهذه الصورة!! وبدأت أبكي، إلا أنَّ قلبها القاسي، لم يتحرك .. ولم أشعر بأية عاطفة من جهتها نحوي!!!


    كانت شقيقتي التي تكبرني بخمسة أعوام، قد استيقظت على صراخي، والتي كانت أحيانًا تحن عليَّ وترأف بي، فاقتربت مني وطالبتني بأن أهدأ فيما تركت والدتي المطبخ بعد انْ قذفت كأسًا من الماء في وجهي... شعرت بأني أكاد أموت أو أجن، وأنا أنظر إلى عيني شقيقتي غير مصدقة، فقد التزمت الصمت لسنوات، ولم أجرؤ يومًا على أنْ ألوم والدتي على سوء معاملتها لي، كنت دائمًا أخشاها وأخاف ردة فعلها، فهي دائمًا تطالعني بعيون الغضب، عيون تقذفني كالبركان بالحمم ...


    طلبت مني شقيقتي أنْ أرافقها إلى غرفتها، فتبعتها وأنا في حالة انهيار تام، أحمل بين يدي شهادتي المبللة بالماء والتي سال حبرها، وتموجت أرقامها، وما عادت كلماتها مفهومة، فشعرت بالمزيد من القهر والألم، وازدادت حدة بكائي ونحيبي، إلا إنَّ شقيقتي الحنونة ربتت على كتفي، وطلبت مني أنْ أهدأ مجددًا، وقالت لي:
    - عليك ألَّا تقتربي من أمي أبدًا، حاولي ألَّا تقتربي منها.
    شعرت أنَّ شقيقتي تسلبني حقي في أنْ أنعم بحنان أمي بشكل طبيعي وهي تطلب مني ذلك، كما وإني شككت في طلبها، فقلت لها :
    لماذا؟! أليست هي أمي كما هي أمكم؟ لما تقبلك ولا تقبلني؟ لماذا تضحك في وجوهكم وتكشر في وجهي؟ ولماذا تعاملني كما لو كنت ألد أعدائها، لماذا ...؟!!!



    نظرت لي شقيقتي بعينين دامعتين، كانت فيهما الكثير من الأسرار، وهي تلح عليَّ وتعيد: لا تسألي كثيرًا، فقط عليك ألَّا تقتربي منها، إنها مريضة، معقدة، فحاولي ألَّا تكتوي بنارها، حاولي أنْ تتعايشي مع الوضع عيشي حياتك كأنها غير موجودة.
    لم يكن حديث شقيقتي واضحًا، لم يكن منطقيًا ولا مفهومًا، فما تقوله لا يمكن أنْ يحدث.
    - كيف تطلبين مني أنْ أتجاهل قسوة معاملتها لي، أنا لم أعد صغيرة، ولا طفلة لكي أسكت، وأبلع غصتي، تفاديًا للعقاب، لقد كبرت وبت أعي فرق المعاملة بيني وبينكم، ... هي لا تحبني، وتكرهني بشدة، وليس في قلبها أية فرصة لترحمني، ولا أعرف لماذا، كل هذا لأنها تعتقد أني فأل شؤم، هل هي مجنونة، أليست بامرأة مؤمنة؟ وتخشى الله! كيف لها أنْ تعتقد بهذه الخزعبلات!! أي شؤم، وأين هو الشؤم طوال هذه السنوات؟! لم أره ... إني أكثر الطالبات نبوغًا في مدرستي فلما لم يقودني شؤمي للفشل...
    إلا إن شقيقتي بقيت تنظر لي بشفقة كبيرة، وسحبتني إلى حضنها وعوضتني وهي تقول لي:
    - ألف مبروك يا همس، ألف مبروك غاليتي ...
    وهنا ازداد بكائي فقد كنت أرغب في أنْ أتذوق هذا الحضن من أمي، وأنْ أسمع كلمة مبارك من شفتيها ....



    لم أتمكن من النوم في تلك الليلة، فقد كانت نظرات شقيقتي حياة، تؤرقني، لم يكن الأمر سهلًا، لقد كانت تخفي أمرًا لا أعرفه، إنَّ هناك سببًا آخر يجعل والدتي تكرهني كل هذا الكره، سببًا لم تفصح عنه لي، وعليَّ أنْ أعرفه بأية طريقة، الحدس لا يخطئ غالبًا، وحدسي يؤكد لي أنَّ هناك أمرًا ما تخفيه عني، وقررت أنْ ألح عليها حتى تفقد مقاومتها وتخبرني، إنَّ عليها أنْ تخبرني بكل شيء، فقد أتعبني الصمت، وقتلتني الحيرة في أمري...

    وبعد عدة أيام من المحاولات، والضغط المتواصل على شقيقتي، وبعد أنْ سئمت إصراري، قررت أنْ تبوح لي بسر، إلا إنها جلبت المصحف وطلبت مني أنْ أتوضأ وأنْ أحلف بالله إني لن أخبر أحدًا بذلك السر، فشعرت كم هو الأمر خطير!!! وفعلًا جلبت المصحف وحلفت بالله إني لن أخبر أحدًا بما ستخبرني به، كانت ضربات قلبي تتسارع، وشعرت برجفة تسري في جسدي، وتخدرت حواسي، فلم أعد أسمع أو أرى إلا ما تقوله شقيقتي، شعرت أنَّ الدنيا تدور بي، ورغبت لو إني لم أولد ولم آتي إلى هذه الحياة، وودت لو إني أموت، ليتني أموت، ... لماذا ولدت أصلًا ... لماذا ولدت؟؟!!!

    وبدأت أبكي بحرقة، وأنا أردد على نفسي، لماذا ولدت أصلًا ، لما جئت إلى هذه الحياة، لماذا ...!!!؟؟ شعرت شقيقتي بالخوف، وطلبت مني أنْ أهدأ، لكي لا تشعر بنا والدتي، وطلبت مني أنْ أكون عاقلة، وأتفهم الأمر جيدًا، فلو تحدثت بكلمة واحدة قد تموت أمي متأثرة بالفضيحة، وربما قتلني أشقائي لما سأسببه لهم من فضيحة إثر انتشار هذا السر ...

    بالتأكيد أنتم أيضًا ترغبون في معرفة السبب، الذي تكرهني والدتي لأجله....

    لكني قد حلفت على المصحف إني لن أخبر أحدًا .... إلا إنكم لا تعرفون من أكون...ولهذا سأخبركم بالسر...

    يتبع...

  2. #2
    ملكة استثنائيـــة

    بيانات المشتركة

    افتراضي





    منذ إنْ ولدت، لم أهنأ ولا لحظة واحدة بحضن والدتي، فقد صدتني كما أخبرتكم مسبقًا، فيما تطوعت خالتي بالعناية بي، فقد كانت ترضعني وتغير ملابسي، وتطعمني وتأخذني إلى الطبيب إذا مرضت، واستمرت تحن عليَّ وترعاني إلى أنْ تزوجتْ، وكنت آنذاك بالكاد قد أكملت عامي الرابع، وشعرت بعد فراقها بأني يتيمة فعلًا فأمي لم تكن تطعمني كما تفعل الأمهات مع أطفالهن، كان عليَّ أنْ أنتظر حتى تعود شقيقتي من المدرسة لتطعمني، ولم يكن مسموحًا لي أنْ ألعب في البيت أو أنْ أرتكب بعض الشقاوة، كنت أعلم أنَّ العقاب سيكون عسيرًا، وبلا رحمة، كنت أختبئ كالقطط في غرفة شقيقتي التي كانت توفر لي بعض السندويش في غرفتها، أتناوله وأستمر في الرسم حتى تعود من المدرسة، لتعتني بي ...


    كبرت وأنا أحمل لوالدتي في قلبي شوقًا كبيرًا، هائلًا، وفي الوقت نفسه رعبًا مريعًا، قاسيًا، كنت أتأملها من بعيد لأطفئ شوقي إليها، وأتخيلها وهي أمامي تأتي لتحتضني وتعتذر مني لأجل كل القسوة التي تقسوها عليَّ ، وكنت في الكثير من الأحيان، أختبئ في سلة الغسيل الخاصة بها، لأشم رائحة عرقها في ملابسها، وكثيرًا ما أختطف أحد أثوابها المتسخة، لأحتضنه وأشمه قبل النوم، وكانت في بعض الأحيان حينما تضبطني أفعل ذلك، ترمقني بنظرة غريبة، تتصارع فيها رحمة، بلا رحمة! شيء لا أعرف كيف أفسره لكم، لكنها دائمًا ماكانت تقول لي:
    - احمدي الله أني لم أقتلك حتى اليوم، هذا أكثر ما يمكنني أنْ أقدمه لك، اعلمي إني رحمتك حينما سمحت لك بأن تبقي على قيد الحياة وتعيشي بيننا.

    في الماضي لم أكن أعلم ما تقصد، وكنت أعتقد أنه مجرد كلام مثله مثل غيره، فما أكثر ما توجهه لي من توبيخ وتهديد ووعيد ...


    كما أني لا يمكن أنْ أظلمها، فقد كانت في أحيان نادرة جدًا، جدًا، تتصرف معي كما تتصرف مع فتاة غريبة، أي لاتكرهني ولا تحبني، فقط تتعامل معي بسطحية، وبشكل خاص حينما نكون بين الناس، أو في مناسبات خاصة، أو حينما يكون مزاجها هادئًا وروحها المعنوية عالية، فيما عدا ذلك فهي تفضل تجاهل وجودي غالبًا، فقد أتحدث ولا ترد عليَّ، وكأني غير موجودة، وربما تتحدث إلى إخوتي وكأني غير موجودة، وقد تقفل جهاز التلفاز والأضواء والمكيف، كأنها لا تراني أجلس أتابع أحد المسلسلات، وكأني بالفعل غير موجودة ... !!!!


    لكن حينما تغضب، أو تواجه تحديًا جديدًا في حياتها، أو تتذكر بعضًا من مآسيها، أو حتى أفراحها التي تعتقد أني كنت السبب في فسادها، فإنها تدخل في نوبة غضب غير طبيعية وتنبري في توجيه السباب والشتائم لي....


    كان والدي رجلًا ميسور الحال، وقد تزوج والدتي عن قصة حب رغم أنهما تزوجا قديمًا جدًا، إلا أنها كانت ابنة عمه، وكان يودها ويعلن وده لها منذ أنْ كان طفلًا، وقد كانت هي الأخرى سعيدة به، وتوده، وكانت قصة حبهما وزواجهما مضربًا للمثل في عصرهما، عاشا حياة مستقرة هانئة، ورزقا أولًا بأخي الأكبر عامر، ثم بشقيقتي حياة، وبعدها بعامين رزقا بشقيقي خالد، ثم أتيت أنا، التي أتيت بلا داع ولا استقبال...!!!


    يمكنني القول أنَّ حياة أمي مع زوجها كانت مثالية، كانا يعيشان حياة هادئة مستقرة، ويحلمان بالمستقبل الذي سيكبر فيه أبناؤهما ويملآن لهما البيت بالصغار، ويكبرا معًا في هدوء، إلا إني جئت أخيرًا وبشكل غير متوقع، لأقلب ذلك البيت السعيد رأسًا على عقب، وأطرد السعادة، وأسمح للأحزان بأن تستوطن المكان...


    كان لوالدي (زوج أمي ) أشقاء، يسكنون في مدينة أخرى، وقد قرر أحدهم أنْ يزور والدي بحثًا عن عمل، فرحب به والدي الذي اشتهر بالكرم وحسن الخلق، وأسكنه غرفة في الدور الأرضي من المنزل، وفي ذلك الدور أيضًا توجد المجالس والمطابخ، وغرفة الغسيل ...


    ويبدو أنَّ شقيق والدي، كان يراقب والدتي بينما كانت تقوم بأعمالها المنزلية اليومية، وأنه قرر في أحد الأيام وبينما كان والدي خارج البيت في مهام عمله، قرر عمي ( الذي هو والدي بيلوجيًا وعمي شكليًا ) قرر أنْ يغتصب والدتي ...


    في ذلك اليوم المشؤوم وبينما كانت في غرفة غسيل الملابس، تسلل إليها عبر الباب الخلفي، واغتصبها عنوة، بعد أنْ كممها وتسبب في رضوض وجرح بليغ في مؤخرة رأسها، كما كسر لها ساعدها، ثم فرَّ هاربًا خوفًا من العقاب، ليعود أبي ويرى والدتي في حالة إغماء ورأسها تنزف، فبادر إلى إسعافها، وحينما أفاقت روت له ما حدث، ليصاب بمقتل، ويفقد إثر ذلك القدرة على الوقوف أو السير، وتم إسعافهما معًا، إلا أنَّ والدتي ادعت أنها انزلقت في غرفة الغسيل، فوقعت على رأسها، لتصاب بتلك الإصابات البليغة، بينما تلقى والدي علاجًا طبيعيًا، ليستعيد القدرة على السير والوقوف، إلا أنه أصيب بعجز جنسي نفسي، فلم يعد يقوى على معاشرة أمي نهائيًا ... وهذا جعل والدتي تشعر بالكثير من الذل، والنقص، والإهانة، فضلًا عن القهر والنار التي كانت تغلي في صدرها إثر تعرضها للاغتصاب، ثم صمتها المطبق، وعدم قدرتها على القصاص من ذلك الرجل الذي اغتصبها، لم يكن بيديها شيء ، كما لم يكن بيد والدي أيضًا أي شيء، فقد كان مضطرًا للصمت خوفًا من الفضيحة، أما عمي ( الذي هو والدي البيولوجي ) فقد بقي مجهول المكان، لفترة طويلة، حتى بعد وفاة والدي،


    ويبدو أنَّ النحس أو الشؤم لم يكن سوى عمي، الذي دخل إلى بيت والدي، ليرى العز والسعادة، التي تخيم عليه، وذلك الود والاستقرار الذي لم يعرف هو أنْ يشيده في بيته، فحسد كل تلك السعادة، ولم يتوقف حسده عند حد اغتصاب امرأة عفيفة في عقر دارها، بل كان هناك ما هو أسوأ.... كانت هناك طفلة صغيرة، تركها في أحشاء تلك المرأة، التي تكتوي بنار القهر والذل والمهانة، وكأن اغتصابها وحده لم يكن كافيًا ليقتلها، فيأتي حملها ليجهز على ما تبقى من فرصة لها في أنْ تعيش حياة طبيعية.


    اكتشفت أنها حامل بي في الشهر الثالث، وقررت الَّا تخبر والدي، وبدأت في اتخاذ كل الوسائل للتخلص مني، فهي متأكدة من أني ابنته، ابنة ذلك الرجل الذي اغتصبها، فمنذ ذلك اليوم المشؤوم لم ينم معها والدي ولا مرة،

    إلا أنَّ جميع محاولاتها باءت بالفشل، حتى دخلت الشهر الخامس، واضطرت هنا أن تخبر والدي بأنها حامل، وكان ذلك اليوم، الذي سقط فيه أبي مصابًا بجلطة، تسببت في شلله، .. وربما كانا يأملان أنْ أُولد ميتة، فبعد كل المحاولات التي اتخذتها لتتخلص بها مني، كانت تأمل أنَّ إحدى تلك المحاولات ستثمر، وسأموت قبل أنْ أُولد، إلا إني ولدت حية، فلم يحتمل والدي الخبر، ودخل في غيبوبة تسببت في وفاته بعد شهرين من ولادتي ...

    وجئت أنا إلى الدنيا، عنوة ...

    ورغمًا عن الجميع، جئت بلا معين، ولا محب، ولا راغب بي، بل على العكس، كان لي أعداء يتمنون موتي قبل حتى أنْ أُولد. هل رأيتم في حياتكم حظًا أعثر من هذا؟! أنْ يكون للإنسان أعداء قبل حتى أنْ يولد، وليس أي أعداء بل هم أقرب الأقرباء ... أمي وعمي....!!!!


    يتبع...

  3. #3

  4. #4
    ملكة استثنائيـــة

    بيانات المشتركة

    افتراضي



    إني لا أستهين بالكارثة التي حلت ببيت أمي، وبزوجها الذي هو عمي، فليس أسوأ من أنْ يموت الإنسان لأجل صدمة عنيفة كصدمة الخيانة، والتعدي على الحقوق، وليس أشد وطأة من خيانة الأمانة، وأنْ تعض اليد التي امتدت إليك بالمساعدة، أفبعد أنْ قام عمي زوج أمي بإيواء أبي المغتصب، في بيته، وتأمين الحياة الكريمة له إلى أنْ يجد وظيفة، أبعد هذا الإحسان، يتلقى منه تلك الخيانة العظمى، ليس عدلًا، وبالتأكيد الأمر لم يكن مجرد أزمة أو مشكلة أو مصيبة، بل كانت كارثة، حلت بذلك البيت الهاديء الآمن الصغير، ومزقته شر ممزق، وهتكت عرضه، وقتلت معيله، ويتمت أطفاله، فهل بعد هذا الهم من هم؟!!!


    إني لا ألوم أمي .. وإنْ كنت ألومها في قرارة ذاتي، لأنه لاذنب لي، لكني في كثير من الأحيان أضع نفسي مكانها، وأتخيل كيف أنها كلما رأتني تذكرت تلك الكارثة التي حلت في بيتها، وذلك الشؤم الذي زحف إلى غرفة الغسيل لينهش لحمها، ويمزق شمل أسرتها، ويغتال زوجها، وأمنها وسعادتها،


    لم أسعَ بعد ذلك اليوم إلى أية محاولة للتقرب من والدتي، وهدأتُ كليًا فلم أعد ألومها على قسوتها معي، أو حتى على تطاولها عليَّ، بدأت أسمع أوامرها وأنفذها بلا أية كلمة، وإنْ زجرتني أصمت، ولا أتحدث، كانت تغلبني في بعض المرات دموعي، إلا إني أبذل جهدًا كبيرًا لأسيطر على عواطفي، فليس أسوأ من أنْ أمزقها! أمزقها مرتين! وليس أسوأ من أن أبكي أمام من ماتت مشاعرها، ليس لأنها أم سيئة، بل لأنها أم مريضة، مصدومة، تبلدت مشاعرها نحو طفلة لا تعني لها أكثر من شؤم ...


    لكني أيضًا كنت صغيرة للغاية، ففي الرابعة عشرة لم أكن سوى طفلة، ومن الطبيعي أنْ أتأثر، فبدأت أنزوي في غرفة نومي، وأرفض الخروج منها إلا لسبب قاهر، ولم أعد أستذكر دروسي، فقد بدأت أنظر لنفسي بطريقة مختلفة، فمنذ إنْ أخبرتني شقيقتي بحقيقة ما أنا عليه، انتابني شعور عميق بأني مجرد حثالة، لا أساوي أي شيء، فقد كنت أستمد شخصيتي من هويتي كابنة لرجل طيب ذي سمعة طيبة، وعريقة، واليوم أدركت حقيقة أني لا أنتمي إليه، بل أنا ابنة قاتله، وهاتك عرضه، كانت تمر عليَّ أيام طويلة أستمر فيها بالبكاء، وأتساءل لماذا يا ترى؟ لماذا قدر لي ربي أنْ أولد؟ هل ليعذبني على يد والدتي فينتقم من أبي على فعله ؟!! بالتأكيد لا، فلا تزر وازرة وزر أخرى، لكني كنت لا أزال طفلة، وكانت تلك هي التفسيرات الوحيدة المتوفرة أمامي، فلم يكن لدي أية إجابة أخرى، لأني لم أكن أعرف حقيقة لماذا جئت لهذه الدنيا؟! ما دمت أصلًا بلا أب، ومن أم لا تريدني ...




    بالتأكيد، فكرت في الانتحار، عدة مرات، لكني كنت أخاف من أنْ أستيقظ بعد موتي لأرى نفسي في جهنم والعياذ بالله، ولهذا فقد كنت أحتمل ما أعانيه من عذاب، وأمضي الأيام أدعو الله أنْ يميتني من عنده.


    تراجع مستواي الدراسي كثيرًا، ورسبت ... تخيلوا، الأولى على المدرسة تنجح بالتعاطف، فقد تعاطفت معي المدرسات اللاتي يعرفن أني متفوقة، وأنه لابد أنَّ هناك مشكلة أعاني منها، تم رفع ملفي إلى الأخصائية الاجتماعية لدراسة حالتي، ولكنها عجزت عن الوصول إلى الأسباب، لأني أحمل سرًا لا يذاع، وبالتالي لم يكن بإمكاني أنْ أخبرها بأي شيء، غير إني لم أعد أشعر بقيمة ذاتي، ولا برغبتي في مواصلة الدراسة ....


    استطعت أنْ أنهي دراستي الثانوية بالعافية، لقد انهيتها وبمعدل متوسط، يدخلني الجامعة على أقل تقدير، لكني بدأت أفكر جديًا في الزواج، وبحماس أكبر، بعد أنْ تزوجتْ شقيقتي، وبدأت تروي لي كيف أنَّ زوجها يعوضها الحب والحنان، واليتم الذي قاسته بعد وفاة والدي، ففكرت لما لا أتزوج أنا أيضًا ، لأهرب من قسوة والدتي، ولأرحمها من رؤيتي فأرتاح منها وترتاح مني، وبشكل خاص بعد أنْ امتلأ البيت بالأطفال بعد زواج شقيقاي ...

    أخبرت شقيقتي بأني أرغب في الزواج ولا أفكر حاليًا بإكمال دراستي ...


    أصبحت متلهفة للزواج، أريد أنْ أتزوج بأية طريقة فكم أتوق لأنْ أكون زوجة رجل حنوووووووووووووون، يعوضني، بعد كل تلك المعاناة التي عايشتها طوال حياتي، وبدأت أنخرط في أحلام اليقظة، وأتخيل، نفسي بين أحضان زوج المستقبل، وكيف أنه يتعاطف معي ويأسر قلبي بحبه وحنانه، وكيف أنه سيكون لي أمي وأبي، وكل أهلي،


    وبدأت شقيقتي وخالاتي أيضًا يروجن بين الأقارب والأصدقاء أني لم أعد أرغب في إكمال الجامعة وإني أفكر جديًا في الزواج، وهكذا بدأ الخطاب في التوافد إلى بيتنا الواحد تلو الآخر، كنت مستعدة لأوافق على أي منهم، أيًا كان المهم أنْ أهرب من هذا البيت، لأرحم نفسي وأرحم والدتي في الوقت نفسه، إلا أنَّ أشقائي، كان لهم رأي آخر، فقد أرادوا أنْ ينتقوا لي أفضل المتقدمين، فبدأوا في السؤال عنهم، والتقصي، ثم اتفقوا على أنَّ أفضلهم هو سعد...


    شاب مقتدر وذو سمعة طيبة، ظروفه المعيشية مناسبة، كما وأنه قريب لنا من بعيد ...


    سمحوا لي بأن ألتقيه لمرة واحدة فقط، وقد بدا وسيمًا، كما وأني لاحظت إعجابه بي، وانبهاره أيضًا، فقد كنت شابة جميلة، وجذابة، رغم قسوة الظروف التي مررت بها، وبعد الخطوبة بعدة أيام تم عقد القران، وبعد العقد، أصبح مسموحًا له بأن يتصل بي، وكانت تلك هي أول مرة في حياتي أتذوق الحب ... والحنان، والرعاية.

    ثمة شخص في هذا الكون يهمه أمري، ويسأل عني، ويشعرني بأن لي أهلًا وعائلة، وأني مهمة ....!!!!

    كنت مع كل يوم يمر بي أدعو الله أنْ يعجل بزفافنا، لكي أعيش معه في بيت واحد، وأنعم بكل ذلك الحنان الذي حلمت به طوال حياتي، وقد استجاب الله دعائي، وتم تقديم موعد الزفاف، وزففت أخيرًا إلى سعد، بوابة السعد في حياتي، كما كنت أعتقد ....




    إلا إنَّ الشؤم الذي تحدثت عنه والدتي يبدو أنه كان حقيقة ماثلة، فقد دق ناقوسه في ليلة الزفاف، بعد منتصف الليل، وحينما اقترب مني سعد بشوقه ولهفته، ثم اعتدل فجأة وهو ينظر لي بريبة واستنكار، ويتساءل:
    - ماذا حدث؟؟!! كيف تم الأمر بهذه السهولة؟!
    ثم بدأ ينظر وأشعل الضوء، وصار يبحث ويسألني بغضب:
    لمَ لا توجدة ولا قطرة دم...؟!!! أين الدماء؟ أين العذرية...؟!!! وجدت نفسي أبحلق فيه تارة وفي نفسي تارة أخرى، وكأني في كابوس، وبدأت كالمجنونة أبحث عن الدماء، لكن لا أثر لها، بينما وقف هو والشرر يتطاير من عينيه، ويصرخ بي كالمجنون:
    - من هو؟! أجيبي ... من!!!
    وأنا أقف كالبكماء لا أستطيع أنْ أجيب بغير الدموع، فأنا شخصيًا لا أعرف أي تفسير لما يحدث ...


    استمر يسألني:
    - أخبريني من يكون ... من فعل ذلك ؟!!
    - أقسم بالله إنه لا أحد، لا أعرف أحدًا، لم يسبق لي أنْ عاشرت أحدًا، أقسم لك، ومستعدة لأقسم على المصحف إنه لم يمسسني أحد، أرجوك اهدأ، لا تفضحني، استر عليَّ ، فأنا بريئة أقسم بالله إني بريئة ...

    لكنه لم يصدقني، وتحولت ليلة الزفاف الحلم، الذي قضيت تلك الشهور أحلم بها، تحولت إلى كابوس مرير، قرر أخيرًا أنْ يرحمني احترامًا لذكرى والدي، ولسمعة أشقائي، وأنْ يبقيني في بيته ولا يخبر أحدًا بما حدث، حتى تمضي فترة أسبوعين ثم سيذهب بي بعد ذلك لأشقائي ويخبرهم بما وجدني عليه، ويطلب منهم أنْ يعيدوا له مهره، وماله ويستعيدوني ...


    شعرت أني أموت، ورغم أني قد تمنيت الموت مسبقًا مرات عديدة، إلا إني تمنيته هذه المرة بشكل مضاعف، ثم انتظرت إلى أنْ هدأ قليلًا، بعد عدة أيام، واقتربت منه وسألته، إنْ كان يعرف أي شيء عن العذرية المطاطية، فقال لي:
    - كفي عن التلاعب، واتركي عنك تلك الحيلة فهي حيلة غبية ومكشوفة.
    وهنا سقطت عند قدمية باكية وراجية
    - أقسم بالله إنه لم يمسسني أحد، وإني في رحمتك بعد الله وبين يديك، فلا تدمر حياتي فما أصابني حتى اليوم لم يكن هينًا، رجوتك بالله أنْ تذهب بي إلى الطبيبة، ولنطلب منها أنْ تحكم بيننا، فإن قالت إنَّ عذريتي تم هتكها سابقًا فلك الحق فيما تريد... رجوتك بالله.
    وبعد أنْ رجوته، وافق ...

    وقصدنا معًا الطبيبة، والتي قالت له بعد أنْ كشفت :
    - إنها لاتزال عذراء....

    وهنا انهرت باكية من جديد، ولم أصدق أذني من الفرحة، وقلت لها من فضلك دوني هذا في تقرير واعطيني إياه، إني بحاجة إليه، فأنا أنوي مقاضاة هذا الرجل الذي طعن في عرضي في ليلة زفافي، وحولها إلى جحيم...

    إلا إنه كان في حالة يرثى لها، فقد بدى على وجهه الألم، والندم أيضًا، ثم بدأ يسأل الطبيبة عن السر، فطلبت منه أنْ يقترب وجعلته يرى بنفسه، كنت أشعر بالذل والمهانة، لكني في الوقت نفسه أردت أنْ أنتقم لنفسي وأقتص لذاتي التي ظلمها، ثم أخبرته أنَّ مثل هذا النوع من العذرية لا تتمزق بسهولة، وقد تستمر إلى الولادة الأولى...!!!

    عدت إلى بيته، وكلي جروح نفسية دامية، وقد انهارت كل أحلامي في أنْ أنعم بالحب والحنان الذي حلمت بهما، فقد كان من الصعب عليَّ أنْ أنسى كيف عاملني باحتقار وازدراء حينما اعتقد أني لست بعذراء، وكيف أنه امتهن إنسانيتي وجعلني حبيسة في غرفة يقفل عليها بالمفتاح لكيلا تهرب، ليتمكن من إعادتها إلى بيت أهلها، ليستعيد ماله الذي اشتراها به، هكذا بدأت أشعر، وهكذا بدأت أتصور ...


    بينما في المقابل ... كانت له حسبته الأخرى ... فقد بدأ يشعر بتأنيب الضمير ربما، فاعتذر لي من فوره، وقدم لي هدية أيضًا، وبدأ يلاطفني، ويغازلني، وكنت في صراع مرير آنذاك بين أنْ أنسجم معه أو أنْ أنفر وأتركه ...

    يتبع...

  5. #5
    ملكة استثنائيـــة

    بيانات المشتركة

    افتراضي




    وعلى الرغم من بشاعة ليلة الزفاف، والكابوس الذي عانيته فيها، إلا إنَّ زوجي سعد عوضني من صميم قلبه، وأبدل ذلي بعز، وأكرمني حبًا، وحنانًا، حتى شعرت أني نسيت معه غربة وآلام أيامي السابقة، وأحسست معه أني ولدت من جديد، كان رومانسيًا في بداية الزواج، وكان يداعبني في كل مرة لينسيني قسوته في أول ليلة، حتى إني نسيت معه قسوة أيامي بأكملها، ومرت سنوات زواجنا، على خير ما يرام، فعلى الرغم من بعض المشاكل والمنغصات العابرة أحيانًا، إلا إنَّ الأجواء السعيدة هي المسيطر الدائم على الأوضاع، وقد سكنت معه في بيت أهله، حيث كان لنا ملحقنا الخاص، وكان أهله طيبين حقيقة في البداية، فوالدته عاملتني كواحدة من بناتها، وقد أسرفت في خدمتها لكي أكسب تعاطفها وأهنأ بالانتماء إلى عائلتها، وأصبح واحدة منهن، فما كان منها إلا أنْ جازت الخير بالخير، هي وبناتها ووالدهم أيضًا، أي نعم كانت هناك بعض المنغصات والمشاكل بيني وبينهن أحيانًا لكن سرعان ما تزول، وحدث أنْ أنجبت طفلًا جميلًا أسعد قلبي، وأضفى المزيد من البهجة إلى حياتي، وجعلني أحظى بالمزيد من الحب والاهتمام سواء من زوجي أو من عائلته الودودة، وبدأت أعتقد أنَّ الدنيا تصالحت معي أخيرًا، وبدأت تعوضني عن كل ما عانيته طوال حياتي ....


    إلا أنَّ الشؤم كما يبدو لم يهدأ له بال، ويبدو أيضًا أنه كان في إجازة ثم عاد ليجدني وقد استعدت حقي الإنساني في أنْ أكون سعيدة، فقرر أنْ يحطم سعادتي، لا أعرف لما أقول ذلك إلا إني شعرت بالخيبة بل بانتكاسة كبيرة، حينما قررت خالة زوجي التي كانت تسكن في مدينة بعيدة، زيارة بيت العائلة، لتقيم عندنا ولفترة طويلة، بصحبة ابنتها المطلقة والتي جاءت بها بحثًا عن عمل، وعلى ما يبدو أنَّ لها نوايا أخرى، وهي البحث عن عريس في الوقت ذاته ... شعرت بالقلق ينهش فؤادي منذ اليوم الأول، فقد لاحظت اهتمام زوجي المبالغ بالفتاة، وله الحق فقد كانت جميلة ذات شخصية مستقلة، وقوية، وتعتني بنفسها جيدًا .. هذا لا يعني أني لم أكن كذلك، لكن كان لديها شيء ما أفتقده، اعتزازها بنفسها وبشخصيتها، وكنت أتساءل في قرارة نفسي عن سر طلاقها، فهي امرأة ناضجة وجميلة، ومثقفة، ولا ينقصها شيء، ثم اكتشفت أنها تزوجت لسنتين ولازالت عذراء بسبب عجزه، مما اضطر والدها للمطالبة بالخلع أو الطلاق صونًا لعفة ابنته ...



    بدا اهتمام زوجي بها واضحًا، كما كان من الواضح في المقابل مباركة خالته أم الفتاة لذلك الاهتمام، حتى بدأت أشك فعلًا في أنها لم تأتِ بحثًا عن عمل، بل عن زوج، لقد أخذ زوجي إجازة من عمله، وتفرغ ليأخذها كل صباح مع والدتها في مشاوير المقابلات الخاصة بطلبات التوظيف، حتى بات يراهم ويقلهم أكثر مما يراني أنا أو يقلني، تحول قلقي إلى هوس، أصبحت لا أنام الليل أفكر ليل نهار فيما يحدث حولي، بات الأمر أوضح من الشمس، لقد تمادى الطرفان في إظهار اهتمام كل منهما بالآخر، وماذا عني أنا؟! ماذا عن مشاعري، لم يعد بإمكاني الصمت، فقد عمدت بداية إلى التلميح، أكثر من ذات مرة أمامه وأمام أمه ( حماتي ) لعل وعسى يشعرون بي، إلا إنه لا حياة لمن تنادي، لم يعد يرى ويسمع إلا ما يريد ... لقد استمر في العناية بها، والبحث عن وظيفة لها ...


    بدأ جميع من في البيت يهمز ويلمز، ولهذا شعرت أنَّ عليَّ أنْ أواجه الجميع، بأن ما يحدث لم يعد مقبولًا ولا طبيعيًا، وبدأت بشقيقة زوجي الكبرى، فهي الأقرب قلبًا مني، والتي صارحتني بأن ما يحدث بالفعل لم يعد طبيعيًا، وأنها تعتقد أنَّ زوجي قد يتزوج فعلًا من ابنة خالته، وهنا انهارت بي الدنيا، إذًا فقد تحدث في أمر مماثل، وأنا آخر من يعلم، كيف له أنْ يقرر الزواج دون أنْ يصارحني أو يستشيرني، إني غير موافقة ولن أسمح له، وثرت وزمجرت، وعجزت عن السيطرة على نفسي، واندفعت إلى الصالون في اللحظة التي كانت تجلس هناك أم زوجي وخالته، وشقيقة أخرى له، وابنة خالته زوجته المحتملة، ووجدت نفسي أطردهم من البيت بأعلى حسي:
    - خذي ابنتك أيتها المحتالة واخرجي من هنا، يا سارقة الرجال ...
    فنظر لي الجميع غير مصدق، كيف أني تجرأت على التفوه بهذه الكلمات، لكنها الغيرة والحسرة التي كبتها في قلبي كل تلك الشهور، وعدت أصرخ من جديد:
    - هل تتخيلين أني سأتركك تختطفين زوجي مني، هيا انهضي واجمعي ملابسك واتركي هذا البيت حالًا.
    لكن حماتي قامت من فورها وطلبت مني أنْ أصمت وأهدأ، إلا أنَّ أختها خالة زوجي توحشت فجأة، بينما توقعت أنها ستخجل على وجهها وتنسحب، فوقفت وفي وجهي وقررت أنْ تجرحني؛ لتثأر مني وتدمرني أمام أهل زوجي، وكان في تلك الأثناء قد خرج الجميع من غرفهم إلى الصالون حيث نجلس، منهم زوجي الذي جاء راكضًا، وعمي والد زوجي، وأشقائه، زوجة شقيقة التي تقيم معنا في نفس المنزل ... وبعد أنْ احتشد الجميع صرخت خالته قائلة:



    - هذه آخرتها، ما بقي إلا بنات الxxxرام يتجرأون على طردنا من بيوت أهلنا!!!
    وجمت عند هذه العبارة، وشعرت أني في كابوس آخر، وأنَّ ما يحدث لا يمكن أنْ يكون إلا كابوسًا، لايمكن لهذه المرأة الغريبة عني وعن عائلتي أنْ تكون على علم بحقيقة وضعي...


    إلا أنها تابعت وبكل ثقة، موجهة الحديث إلى شقيقتها أم زوجي قائلة:
    - ياما نصحتكم وقلت لكم العرق دساس، وهذه ليست إلا ثمرة علاقة محرمة بين أمها وشقيق زوجها، لكنكم قلتم أني أفتري عليها، ذوقوا الآن وبال اختياركم، هاهي تتجرأ على طرد ضيوفكم من بيتكم ...
    ثم التفت إلي وأنا أشعر أني شبه ميته وأتمنى لو أنَّ الأرض تنشق وتبلعني، وقالت بعلو حسها:
    - ما تنالمين يالنسرة، لم يبقَ إلا بنات الحرام، يعترضون ويطالبون بحقوقهن، أم إنك تعتقدين أنت وأهلك أنَّ الناس نيام، فالجميع يعرف السبب الذي مات لأجله المرحوم، بعد أنْ خانته والدتك مع شقيقه، والدك الحقيقي الذي فر هاربًا بعد فعلته.... تاركًا شقيقه يعاني حسرته ويموت ذليلًا مقهورًا...

    واستمرت تعايرني، بينما كانت حماتي وحماي يأمرنها بالسكوت، كانت هي تسير نحو غرفتها مدعية أنها مجروحة، وأنها ستترك البيت ولن تعود، وأن عليهم أنْ يأدبوني وأنه يا أنا يا هي في هذا البيت....!!!


    لقد انهارت حياتي فجأة، كل حياتي، فزوجي كان قد سحر تمامًا قبل هذه الحادثة، وأصبح قلبًا وقالبًا ملكًا لامرأة غيري، لم يبقَ إلا أنْ يعقد قرانه عليها ليصبحا معًا، بينما انهارت معنوياتي ولم يعد لي عين بعد تلك المواجهة لأنطق بكلمة، لا أعرف ماذا حدث لي، لا أعرف لماذا شل لساني فجأة كما شلت حركة والدي من قبلي، ربما لأننا كنا نعرف الحقيقة ونعرف أنَّ أمي لم تكن إلا بريئة، ربما هذا هو السبب الحقيقي لمقتل والدي، الفضيحة، فعلى ما يبدو هناك من سرب الحادثة، لكن بطريقة غير منصفة، جعل والدتي تبدو كالخائنة، وجدت نفسي غارقة في نيران الشك، فجأة، ومدعوسة بقسوة تحت نعال السمعة السيئة، لم يكن بإمكاني أنْ
    أعترض، إلا إني حملت ابني، وقررت الرحيل لا أعرف إلى أين، لأني متأكدة من أنَّ والدتي لا تريد أنْ تراني مطلقًا ... فإلى أين أذهب ....؟!!!


    هربت بنفسي إلى بيت خالتي، التي أرعبها منظري حيث دخلت عليها بعيون منتفخة من فرط البكاء، وأنف كأنف الأرجوز من الاحمرار، رميت بطفلي في حضنها وركضت للمجلس لأختبئ من عينيها وتساؤلاتها، وحينما هدأت رويت لها كل ما حدث، شعرت هي الأخرى بالأسى، واستغربت كيف أنَّ هناك من يعرف تلك الحادثة القديمة، وكيف أنها وصلت إليهم بتلك الصورة، إلا إنها وجدت نفسها أخيرًا مضطرة لطمأنتي وتهدئتي، نمت تلك الليلة في بيتها، وفي صباح اليوم التالي، صحوت على صوت سعد، كان قد جاء؛ ليتفاهم معي ...



    شعرت فجأة بالارتياح، فسعد لازال يحبني ويحترمني رغم كل ما سمعه من خالته عن حقيقة ما أنا عليه، همست لي خالتي قائلة:
    - لا تعترفي بأي شيء، لا تؤكدي له هواجس خالته، ففي النهاية هي مجرد هواجس، أخبريه أنك لن تسامحيها لأنها طعنت في عرضك...

    كان وجه سعد مرهقًا للغاية، كما كان يبدو حزينًا ومتعاطفًا بشدة معي، ما إن رآني حتى احتضنني من كل قلبه، ثم طلب مني أنْ أجلس قربه، ثم قال لي:
    هيا بنا نعود إلى البيت ...
    شعرت بالسعادة لوهلة، لكني تريثت ثم سألته:
    قبل أن أعود أريد أنْ أفهم ما حقيقة علاقتك بمنال ابنة خالتك...!!! هل تخطط فعلًا للزواج بها؟!
    لأسمع منه خبرًا شقني نصفين!!
    - إننا مخطوبان رسميًا، وسنتزوج قريبًا، لكن هذا لاينفي أنك زوجتي أيضًا ...
    كان قد بدأ يتحدث عن حقه في الزواج من مثنى وثلاث ورباع، بينما كنت قد بدأت أسبح عنه بمخيلتي لكل الآلام التي واجهتها يومًا في حياتي، وطرأ علي السؤال الذي أرهقني في طفولتي ومراهقتي، هل فعلًا أنا أدفع اليوم ثمن غلطة والدي.. هل فعلًا كل الشؤم الذي تحدثت عنه والدتي حقيقة؟! رفضت العودة معه إلى البيت، وأخبرته أني سأطلب الطلاق في حالة إنه تزوج بها فعلًا ...وهنا رأيت الوجه الآخر لسعد، فقد نفر مني، ونظر لي باحتقار وقال:
    - خيارك وأنت حرة، هاتي لي طفلي، واذهبي بعنادك إلى الجحيم، جهنم اللي تاكلك
    ففهمت أنه سيحرمني من ابني في حال أني قررت طلب الطلاق ...


    واشتد عنادي وبدأت أصرخ فيه:
    - حسبي الله عليك، لا يكفيك حرق فؤادي بزواجك، كذلك تريد أنْ تحرمني من ابني، إذًا طلقني حالًا، طلقني إني أكرهك، أكرهك.
    فاستقام وتلفظ أمامي قائلًا:
    أنت طالق ....!!!


    ثم أشار إلى خالتي بأنْ تحضر الطفل، فشعرت أنه سيغمى علي لو أنه حرمني طفلي وهو لازال رضيعًا، فجريت إلى الغرفة التي ينام فيها وأقفلتها بالمفتاح ... حتى خرج متوعدًا بأنه سيرسل والدته لتستلم الطفل وفي حالة أني رفضت تسليمه فسيطلبه بالشرطة !!!


    لا أعرف كيف تدهورت علاقتي به هكذا، وكيف أنه تحول من ذلك الرجل الطيب إلى هذا القلب القاسي كالحجر ... اقتربت مني خالتي ونصحتني بأن أهدأ وأنْ أقصر الشر، وأعود إلى زوجي وأتفاهم معه، وقالت لي بأن الرجال حينما يقررون أمرًا فإنهم لا يحبون العناد، وكان عليَّ الاَّ أطلب الطلاق بتلك الصورة المستفزة .... ووووووووو الكثير من النصائح.

    يتبع...


سياسة الإسترجاع - الشروط والأحكام - بيان الخصوصية - من نحن - إتصل بنا