د. ناعمة تكتب: غموض الزوج يصيب الزوجة باضطرابات نفسية
غموض الزوج يصيب الزوجة باضطرابات نفسية
قراءة نفسية في قصة أم بسمة،
في قصة أم بسمة، لم يكن أكثر ما استنزفها في البداية هو اكتشاف الخيانة، بل الفترة الطويلة التي سبقت اكتشافها؛ تلك الفترة التي شعرت فيها أن زوجها تغيّر، وأن شيئًا في علاقته بها لم يعد كما كان، لكنها لم تكن تملك تفسيرًا واضحًا لهذا التغير.
وهنا تظهر
واحدة من أكثر الظواهر النفسية أهمية في مثل هذه العلاقات: عدم تحمّل عدم اليقين.
عدم تحمّل ( عدم اليقين ) هو ميل نفسي يجعل الإنسان يجد الغموض شديد الإزعاج، خصوصًا عندما يتعلق
الأمر بشيء يمس أمنه أو مستقبله، وقد أظهرت الأبحاث أن عدم اليقين يمكن أن يكون
محفزًا للقلق والأفكار القلقة، وأن ارتفاع عدم تحمّل عدم اليقين يرتبط بزيادة
القلق واللجوء إلى استراتيجيات مثل الاجترار وطلب الطمأنة.
وهذا يفسر
كثيرًا من سلوك أم بسمة.
كانت تشعر
أن زوجها لم يعد كما كان، لكنها لم تعرف السبب. وهنا لم يعد عقلها قادرًا على
التعامل مع الواقع ببساطة؛ بدأ يبحث عن تفسير.
لماذا تغير؟ أين يذهب؟ لماذا أصبح باردًا؟ لماذا لم يعد يهتم؟ ماذا ينقصني؟ هل فعلت شيئًا؟ هل هناك امرأة أخرى؟
وهذه هي المرحلة الثانية في حالة أم بسمة: الاجترار الفكري.
الاجترار
ليس مجرد التفكير في المشكلة، بل العودة إليها مرارًا من دون الوصول إلى حل. يعيد
الإنسان المشهد نفسه، ويحلل الجملة نفسها، ويربط التفاصيل القديمة بالجديدة، ثم
يعيد بناء الاحتمالات مرة أخرى. وقد وجدت دراسات ارتباطًا واضحًا بين عدم تحمّل
عدم اليقين والاجترار والقلق، كما وجدت أن الاجترار يمكن أن يؤدي دورًا وسيطًا في
العلاقة بين عدم تحمّل عدم اليقين والأعراض النفسية.
ولهذا لم
تكن أم بسمة تقول: «أريد
أن أعرف كل شيء»
لأنها
فضولية.
كانت
تقولها لأن عقلها كان يبحث عن نهاية لحالة معرفية ونفسية مرهقة.
كانت
الحقيقة بالنسبة إليها، في تلك المرحلة، تشبه قطعة ناقصة من أحجية كبيرة. وكلما
عثرت على تفصيل جديد، لم تشعر بالراحة؛ بل ظهر سؤال جديد. وهكذا تحول البحث عن
الحقيقة نفسه إلى سلوك متكرر، لأن المعلومة التي حصلت عليها لم تكن تكفي لإغلاق
دائرة الشك.
ثم يأتي
المستوى الثالث: القلق المرتبط بالعلاقة.
فالإنسان
حين يشعر أن الشخص الأكثر أهمية في حياته أصبح غير متوقع، تتأثر لديه مشاعر الأمان
والاستقرار. وإذا كان التغير يحدث دون تفسير، يصبح العقل في حالة ترقب مستمرة.
وهذا ما
رأيناه في أم بسمة: لم تكن تعرف ماذا يحدث، ولذلك أصبحت شديدة الحساسية لكل علامة؛
سفر، تأخر، تغير في المزاج، هاتف، مناسبة، رحلة عمل، وحتى التفاصيل الصغيرة التي
كانت تمر عليها في السابق دون اهتمام.
لم يكن
عقلها يبحث عن الخيانة في كل شيء منذ البداية؛ بل كان يحاول فهم التناقض بين
الرجل الذي تعرفه وبين الرجل الذي بدأت تراه أمامها.
وهذه نقطة
مهمة جدًا.
فالمرأة
التي تعيش هذا النوع من الغموض قد تبدأ في توجيه السؤال إلى نفسها بدلًا من الواقع:
هل
تغيرت أنا؟
وهنا يمكن
أن يبدأ الضرر النفسي الحقيقي.
إذا لم
تجد تفسيرًا لسلوك الزوج، فقد تبدأ في تفسيره من خلال ذاتها: ربما لم أعد جميلة،
ربما قصرت، ربما أهملته، ربما لم أعد مثيرة، ربما أصبحت زوجة مملة، ربما المشكلة
في شخصيتي.
وهكذا
تتحول مشكلة خارجية مجهولة المصدر إلى اتهام داخلي مستمر للذات.
وهذا يفسر
جانبًا مهمًا جدًا من معاناة أم بسمة: كانت تحاول إصلاح نفسها قبل أن تعرف أصل
المشكلة.
غيرت
مظهرها، وحاولت أن تكون زوجة أفضل، وتنازلت أكثر، وقدمت أكثر، بينما كانت الإجابة
التي تبحث عنها موجودة خارجها.
ولهذا فإن
اكتشاف الحقيقة، على الرغم من قسوته، أحدث لديها تحولًا نفسيًا غريبًا: السبب
أصبح محددًا.
لم تعد
تسأل:
ماذا
يحدث؟
أصبحت
تعرف:
هذا ما
يحدث.
والفرق
بين السؤالين هائل نفسيًا.
الحقيقة
قد تكون مؤلمة، لكنها تمنح العقل مادة يمكن التعامل معها. أما الغموض فيبقي
الإنسان عالقًا بين احتمالات لا تنتهي. ولهذا تشير الأدبيات النفسية إلى أن عدم
اليقين يرتبط بالقلق والقلق التوقعي، وأن الاجترار والقلق يمكن أن يصبحا جزءًا من
الحلقة التي تحافظ على الضيق النفسي.
ومن هنا
يمكن فهم واحدة من أكثر الجمل دلالة في تجربة أم بسمة:
أريد أن أعرف كل شيء.
لم تكن
هذه الجملة إعلانًا عن رغبتها في السيطرة على زوجها بقدر ما كانت تعبيرًا عن عقل
أنهكه الغموض.
كانت تريد
أن تعرف متى بدأ كل شيء، ومن هي المرأة، وأين يلتقيان، وماذا حدث، وماذا كان يحدث
طوال السنوات الماضية؛ لأنها كانت تحاول إعادة بناء روايتها الشخصية للحياة.
فالخيانة
لا تضرب الثقة بالزوج وحده؛ أحيانًا تضرب ثقة الإنسان في تفسيره لماضيه كله.
تبدأ
المرأة في إعادة قراءة السنوات الماضية:
هل كان
سفره للعمل فعلًا؟
هل كان
انشغاله بسبب العمل؟
هل تغيره
بدأ في ذلك التاريخ؟
هل كنت
أعيش وهمًا طوال هذه السنوات؟
وهنا يصبح
اكتشاف الحقيقة محاولة لاستعادة شيء أعمق من المعرفة: الإحساس بالواقع.
وهذا
بالضبط ما يجعل حالة أم بسمة نفسية وإنسانية في آن واحد.
فهي لم
تكن تبحث فقط عن امرأة أخرى في حياة زوجها؛ كانت تبحث عن تفسير للسنوات التي
عاشتها، وعن إجابة للأسئلة التي ظلت معلقة داخلها، وعن سبب جعلها تشعر طوال الوقت
بأن شيئًا ما ليس على ما يرام.
ولهذا فإن
الغموض في العلاقات الزوجية ليس أمرًا بسيطًا كما يبدو.
حين يشعر
أحد الشريكين بأن العلاقة تغيرت، بينما الطرف الآخر يخفي عنه السبب، فقد يجد نفسه
في حالة مستمرة من عدم اليقين، والاجترار، والقلق، ومراقبة الإشارات، وإعادة
تفسير الذات.
وقد يظل
الشخص الذي يخفي الحقيقة مقتنعًا بأن شريكه «لا يعرف شيئًا، إذًا هو بخير».
لكن أم
بسمة تكشف المفارقة:
قد لا
يعرف الإنسان الحقيقة، ومع ذلك قد يشعر بآثارها.
إن العقل
لا يحتاج دائمًا إلى امتلاك المعلومة حتى يلاحظ أن شيئًا في البيئة العاطفية قد
تغير.
ولهذا
كانت رحلة أم بسمة نحو الحقيقة مؤلمة، لكنها في الوقت نفسه أنهت مرحلة طويلة من
الحيرة.
وفي
اللحظة التي رأت فيها زوجها مع المرأة الأخرى، لم تعد مضطرة إلى اختراع تفسير.
انتهى
السؤال.
وبدأت
مرحلة أخرى تمامًا: ماذا ستفعل بالحقيقة التي عرفتها؟
وهنا،
نفسيًا، تبدأ قصة أم بسمة الحقيقية.
![]() |
| د. ناعمة تكتب: غموض الزوج يصيب الزوجة باضطرابات نفسية |
المراجع العلمية
- Dugas, M. J., Koerner, N., & Freeston, M. H. (2026).State of the Science: Intolerance ofUncertainty.Behavior Therapy, 57(1), 17–36.
- Akbari, M., et al. (2026).A hierarchical uncertainty framework of anxiety: Preregistered meta-analytic structural model of intolerance of uncertainty and worry across anxiety disorders.Clinical Psychology Review, 128, 102773.
- Watkins, E. R., & Roberts, H. (2020).Reflecting on rumination: Consequences, causes, mechanisms and treatment of rumination.Behaviour Research and Therapy, 127, 103573.
- Solomon, D. H., et al. (2022).Relational uncertainty, interdependence and psychological distress during COVID-19: A longitudinal study.
- Rosen, N. O., Ivanova, E., & Knäuper, B. (2014).Differentiating intolerance of uncertainty from three related but distinct constructs.Anxiety, Stress, & Coping, 27(1), 55–73.


تعليقات
إرسال تعليق